الجزائر – كييف. لطالما ارتبطت العلاقات الاقتصادية بين الجزائر وأوكرانيا بالتجارة في المنتجات الزراعية والحبوب والمواد الأولية. غير أن المشاريع الصناعية والاتصالات المتزايدة بين الشركات البلدين تفتح المجال أمام نموذج آخر من التعاون، يقوم على الهندسة الصناعية، والمعدات والتجهيزات، والأتمتة، وتطوير الإنتاج.
ولا يتعلق الأمر فقط بتصدير منتجات جاهزة. فقد يبرز نموذج أكثر تكاملاً يقوم على توفير الشركات الأوكرانية للتكنولوجيا والخبرة الهندسية والمعدات، مقابل مساهمة الشركاء الجزائريين بالقدرات الإنتاجية، والوصول إلى السوق، وتنفيذ المشاريع محلياً.
بدايات التعاون الصناعي بدأت بالفعل
بدأ عدد من الشركات الأوكرانية ينظر إلى الجزائر بشكل متزايد كسوق للتعاون الصناعي. ومن الأمثلة على ذلك UkrMashBud، التي كثفت خلال عام 2026 اتصالاتها مع مؤسسات صناعية جزائرية، وبحثت فرص مشاركة الشركات الأوكرانية في مشاريع محلية.
ومن الأمثلة الأخرى شركة Orion.Group الأوكرانية، المتخصصة في الهندسة الصناعية وتركيب المنشآت والمعدات، والمرتبطة بمشروع Sahra’el Djazair، والتي تعمل ضمن منظومة من الشركاء الصناعيين الدوليين، من بينهم GEA Process Engineering.
وتشير هذه المشاريع إلى إمكانية أن تؤدي الشركات الأوكرانية في الجزائر دوراً يتجاوز توريد المعدات، ليشمل الهندسة والتركيب والدعم التقني والمشاركة في تنفيذ المشاريع الصناعية المعقدة.
تجربة S-Engineering تظهر أن النموذج قابل للتطبيق
ومن الأمثلة الأخرى شركة S-Engineering الأوكرانية، المتخصصة في الهندسة الكهربائية والأتمتة والأنظمة الصناعية.
تمتلك الشركة خبرة في السوق الجزائرية، من بينها تطوير وتصنيع معدات كهربائية مخصصة للبنية التحتية الخاصة بخطوط أنابيب النفط. وتشمل خدماتها التصميم الهندسي، والتصنيع، والتركيب، والتشغيل، وتدريب الموظفين، والصيانة.
ويُظهر هذا النوع من المشاريع أن التعاون يمكن أن ينتقل من مجرد بيع المعدات إلى تقديم حل صناعي متكامل، يبدأ من التصميم الهندسي وينتهي بتشغيل المنشأة ودعمها فنياً.
الجزائر تبحث عن مزيد من التكامل الصناعي
أصبح تطوير التكامل الصناعي وتوطين الإنتاج من الملفات المهمة بالنسبة إلى الجزائر. ويظهر هذا التوجه في الفعاليات الصناعية، ومنها معرض ALGEST 2026، الذي يضم المصنعين وموردي المعدات ومكاتب الهندسة والمقاولين من الباطن، إلى جانب الشركات العاملة في الأتمتة والرقمنة وتقنيات Industry 4.0 وIndustry 5.0.
ويمثل ذلك مجالاً محتملاً للشركات الأوكرانية التي تمتلك خبرة في الصناعات الميكانيكية، والأتمتة، والهندسة الكهربائية، والبرمجيات الصناعية وتصنيع المعدات المتخصصة.
وبالنسبة إلى الشركات الأوكرانية، يمكن للسوق الجزائرية بالتالي أن توفر أكثر من مجرد وجهة لتصدير المعدات، وأن تتحول إلى منصة لشراكات صناعية طويلة الأمد.
صناعة الآلات يمكن أن تكون إحدى نقاط الدخول
تمتلك شركات صناعة الآلات الأوكرانية خبرات يمكن تكييفها مع احتياجات السوق الجزائرية، بما في ذلك الآلات المتخصصة، والمعدات الصناعية، والأنظمة الكهربائية، وأتمتة خطوط الإنتاج، وتحديث المعدات وصيانتها.
وبالنسبة إلى الجزائر، يمكن للتعاون مع المصنعين الأوكرانيين أن يتيح الوصول إلى خبرات هندسية وحلول تكنولوجية متخصصة. أما بالنسبة إلى الشركات الأوكرانية، فقد يشكل ذلك مدخلاً إلى السوق المغاربية لا يعتمد فقط على التصدير، بل أيضاً على الشراكات المحلية.
وعلى المدى المتوسط، يمكن أن يأخذ هذا التعاون شكل مشاريع مشتركة، أو تعاون في التصنيع، أو توطين جزئي لبعض التقنيات الأوكرانية في الجزائر.
تعاون يمكن أن يسير في الاتجاهين
لا ينبغي أن تقتصر العلاقة على اتجاه واحد من أوكرانيا نحو الجزائر.
فيمكن للشركات الجزائرية أيضاً أن تصبح جزءاً من سلاسل الإنتاج الأوكرانية، سواء من خلال توريد بعض المكونات والمواد، أو المشاركة في عمليات التصنيع والتحويل. وفي المقابل، يمكن للشركات الأوكرانية توفير التكنولوجيا والمعدات والحلول الهندسية.
ومن شأن هذا النموذج أن ينقل العلاقات الاقتصادية بين البلدين تدريجياً من التجارة التقليدية إلى التعاون الصناعي.
قطاع التعدين يفتح مجالاً آخر
يشكل التعدين مجالاً آخر يمكن أن تظهر فيه فرص للتعاون. فالجزائر لا تعمل فقط على تطوير مواردها المعدنية، وإنما تسعى أيضاً إلى تعزيز عمليات تحويل ومعالجة هذه الموارد وزيادة القيمة المضافة محلياً.
وتملك أوكرانيا خبرة واسعة في قطاعات التعدين والصناعات المعدنية ومعالجة الخامات والأتمتة الصناعية. ويمكن للجمع بين قاعدة الموارد الجزائرية والخبرات الهندسية والتكنولوجية الأوكرانية أن يفتح المجال أمام صيغ جديدة من التعاون.
وقد يكون هذا مهماً بشكل خاص للمشاريع التي تتطلب أكثر من مجرد توريد المعدات، مثل تصميم العمليات الصناعية، والهندسة، وإنشاء خطوط الإنتاج، والتشغيل والدعم الفني.
الصناعة 4.0 تفتح سوقاً أقل ظهوراً ولكنها مهمة
تمثل الرقمنة الصناعية مجالاً آخر يمكن أن يشهد تطوراً.
فالمؤسسات الجزائرية تعمل على تحديث منشآتها الإنتاجية، ما يزيد الحاجة إلى أنظمة التحكم الآلي، والإلكترونيات الصناعية، ومراقبة المعدات، وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة، وإدارة عمليات الإنتاج رقمياً.
وبالنسبة إلى الشركات الأوكرانية، يمكن أن يوفر هذا المجال فرصة لتصدير الخبرة التكنولوجية وليس المنتج فقط. ففي العديد من المشاريع، قد تكون الهندسة والبرمجة وتكامل الأنظمة وخدمات ما بعد البيع عناصر لا تقل أهمية عن المعدات نفسها.
من مورّد إلى شريك صناعي
قد تكون هذه النقطة هي الأهم في التحول المحتمل للعلاقة الاقتصادية بين البلدين.
فمن الصعب على الشركات الأوكرانية منافسة جميع قطاعات السوق الجزائرية على أساس سعر المنتجات النهائية فقط. لكن يمكن أن تكمن إحدى نقاط قوتها في القدرة على تطوير حلول مخصصة، وتكييف المعدات مع احتياجات كل مصنع، ومرافقة المشروع خلال مختلف مراحله.
وبالنسبة إلى الشركات الجزائرية، يعني ذلك الوصول إلى خبرات هندسية وتقنية متخصصة. أما بالنسبة إلى الشركات الأوكرانية، فيمكن أن يوفر لها ذلك إمكانية بناء حضور طويل الأمد في السوق من خلال شراكات صناعية.
الجزائر يمكن أن تكون أيضاً شريكاً لأوكرانيا
يمكن أن يسير التعاون الصناعي في الاتجاه المعاكس أيضاً.
فالجزائر تمتلك سوقاً داخلية كبيرة، وقطاعات مهمة في الطاقة والزراعة، إضافة إلى توجه نحو تطوير الإنتاج المحلي. وهذا يخلق فرصاً للشركات الأوكرانية ليس فقط في مجال التصدير، وإنما أيضاً في إقامة شراكات محلية.
وفي الوقت نفسه، يمكن للشركات الجزائرية الاستفادة من التكنولوجيا الأوكرانية والحلول الهندسية والخبرات الصناعية.
وفي إطار هذا النموذج، لن تبقى العلاقات الاقتصادية بين البلدين محصورة في علاقة تقليدية بين بائع ومشترٍ.
التعاون لا يزال بحاجة إلى البناء
رغم وجود هذه الأمثلة، لا يزال من المبكر الحديث عن شراكة صناعية أوكرانية–جزائرية متكاملة. فمعظم المجالات الواعدة تحتاج إلى شركاء محددين، وتمويل، ودراسات جدوى، وتكييف التقنيات مع الظروف والاحتياجات المحلية.
لكن ظهور مشاريع هندسية وصناعية أولية يشير إلى أن إمكانات التعاون تتجاوز بكثير التجارة التقليدية.
وقد تتمثل الخطوة التالية أمام الشركات في البلدين في البحث ليس فقط عن المنتجات التي يمكن تصديرها أو استيرادها، وإنما عن تحديات صناعية محددة يمكن معالجتها بشكل مشترك.
بالنسبة إلى أوكرانيا، يعني ذلك فرصة للاستفادة من خبراتها الهندسية والتكنولوجية في سوق شمال إفريقيا. وبالنسبة إلى الجزائر، يمكن أن يمثل ذلك قناة للوصول إلى التكنولوجيا والخبرات الصناعية بما يدعم تطوير قاعدة الإنتاج المحلية.
وفي حال تطور هذا النهج عملياً، يمكن للعلاقات الاقتصادية الجزائرية–الأوكرانية أن تنتقل تدريجياً من نموذج «المنتج والسوق» إلى نموذج «التكنولوجيا – الإنتاج – الشراكة».

Laisser un commentaire